خلال ندوة وطنية نظمتها كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي بالرباط حول تحولات الحقل الحزبي المغربي، قدّم عدد من الفاعلين السياسيين قراءات متقاطعة حول واقع الأحزاب بالمغرب، معتبرين أن المشهد السياسي يتجه نحو نمط حزبي موحّد تحكمه رغبة مشتركة في الوجود داخل الحكومة أكثر من الدفاع عن مشاريع أو رؤى سياسية متميزة.
في هذا السياق، قال محمد الساسي، القيادي في فيدرالية اليسار الديمقراطي، إن الفاصل التقليدي بين ما كان يُعرف بـ”الأحزاب الإدارية” و”الأحزاب الوطنية” أصبح غير قائم، مضيفًا أن الجميع بات يسعى إلى التكيّف مع “برنامج الدولة القار” لضمان المشاركة الحكومية. وأوضح أن التحوّل من الخطاب الإيديولوجي إلى لغة براغماتية واضحة يعكس تغيّرًا عميقًا في طبيعة العمل الحزبي، لافتًا إلى أن بعض المواقف، ومنها ملف التطبيع، تُظهر استعداد أحزاب للتنازل عن خيارات استراتيجية مقابل الاستمرار في السلطة.
وأضاف الساسي أن قرب الأحزاب من دوائر القرار أصبح، اليوم، عنصرًا أساسيًا في ضمان قوتها، مشيرًا إلى بروز نماذج قيادية جديدة تتسم بطابع شعبوي، وهو توجه يعرفه العالم أيضًا.
من جهته، اعتبر محمد أوجار، وزير العدل الأسبق وعضو المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار، أن التحولات التي يشهدها الحقل الحزبي ترتبط أيضًا بالعزوف الشعبي وهيمنة الوسائط الرقمية وتغير منظومة القيم. وأوضح أن حزبه حاول التفاعل مع هذه التحولات عبر إطلاق جلسات استماع واسعة وتنظيم مبادرات مثل “مسار الإنجازات” وعقود النجاعة مع مناضليه.
ورغم هذه الجهود، أكد أوجار أن هامش تحرّك الأحزاب يبقى محدودًا، موضحًا أن الوزراء يجدون أنفسهم أمام جهاز إداري قوي “تحركه الدولة العميقة”، ما يجعل تنفيذ البرامج الحزبية مهمة شاقة. كما شدّد على ضرورة محاسبة كل من يثبت تورطه في الفساد، مذكّرًا بأن المسؤولية لا ينبغي أن تُحمّل للمنتخبين وحدهم دون مساءلة ممثلي السلطة والإدارة الترابية.
وتوقف أوجار أيضًا عند القرار الأممي الأخير رقم 2797 حول الصحراء، واصفًا إياه بـ”المنعطف التاريخي” الذي يستدعي نقاشًا دستوريًا وتجديدًا للنخب القادرة على مواكبة المرحلة.
أما إدريس السنتيسي، عضو المكتب السياسي للحركة الشعبية، فاعتبر أن الإصلاح السياسي مطلب مشترك لدى الأحزاب، غير أن وظيفة الوساطة التي يفترض أن تقوم بها هذه الهيئات تظل ضعيفة. وسجّل استمرار مظاهر الفساد في العملية السياسية، مشيرًا إلى أنّ محدودية التمويل العمومي تعيق قيام الأحزاب بدورها في التأطير وجذب الشباب.
وأوضح السنتيسي أن الوزن الحقيقي للأحزاب أصبح مرتبطًا بنتائج الانتخابات أكثر من مساهمتها الفكرية أو اقتراحاتها السياسية، مضيفًا أن البحث عن المترشحين القادرين على جلب الأصوات خلال مرحلة التزكيات ساهم في تراجع جودة النخب داخل البرلمان.

