أعادت التساقطات المطرية المنتظمة خلال الأسابيع الأخيرة بعث الأمل في نفوس الفاعلين الفلاحيين، بعد سنوات صعبة اتسمت بندرة المياه وتراجع الإنتاج. فحسب مصدر مطلع من داخل المكتب الوطني المهني للحبوب، فإن استمرار هذه التساقطات بالمستوى الحالي إلى غاية شهر مارس قد يشكل نقطة تحول حاسمة في مسار إنتاج الحبوب بالمغرب، الذي ظل لسنوات رهين تقلبات مناخية قاسية.
هذا التفاؤل لا يرتبط فقط بالزراعات المطرية، بل يمتد إلى وضعية الموارد المائية، إذ سجلت حقينة السدود ارتفاعًا لافتًا، لتقترب نسبة الملء من 40 في المائة، وهو مستوى يوصف بالمطمئن مقارنة بالسنوات الماضية. ويُنتظر أن يخفف هذا التحسن الضغط على الموارد المخصصة للماء الصالح للشرب، خاصة في ظل اعتماد حلول موازية، من قبيل تحلية مياه البحر، ما يسمح بإعادة توجيه جزء من الموارد المائية لدعم النشاط الفلاحي.
وفي هذا السياق، يشير المصدر ذاته إلى أن المساحات المزروعة بلغت حوالي 3 ملايين هكتار إلى حدود الآن، وهو رقم يعكس دينامية إيجابية مقارنة بمواسم سابقة عرفت عزوفًا جزئيًا عن الزراعة بسبب الجفاف وارتفاع كلفة الإنتاج. ويرى مهنيون أن هذا المعطى، إذا ما تزامن مع استمرار التساقطات خلال شهري مارس وأبريل، قد يفضي إلى موسم فلاحي جيد أو حتى استثنائي من حيث المردودية.
غير أن هذا التفاؤل يظل مشروطًا بعامل الزمن. فالتقييم النهائي لحجم المحصول، حسب المصدر نفسه، لن يتم قبل نهاية شهر مارس، وهو ما يجعل قرارات الدولة المرتبطة بـ استيراد الحبوب مؤجلة إلى حين اتضاح الصورة الكاملة. وفي انتظار ذلك، تواصل السلطات اعتماد سياسة مرنة، حيث تستمر عمليات الاستيراد دون قيود لضمان تزويد السوق الوطنية بانتظام وتفادي أي اضطرابات في الأسعار أو العرض.
ويُبرز هذا المعطى التوازن الدقيق الذي تحاول الدولة الحفاظ عليه بين حماية الإنتاج الوطني وضمان الأمن الغذائي. فبحسب المصدر، فإن أي إجراءات جمركية أو تدابير لتقنين الاستيراد لن تُفعل إلا بعد التأكد من تحقيق مستوى كافٍ من الاكتفاء الذاتي، بما يحمي الفلاح المغربي دون الإضرار بتوازن السوق.
في المقابل، تكشف التقارير الدولية عن صورة أكثر حذرًا. إذ أشارت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، في تقريرها السنوي لسنة 2025، إلى أن الإنتاج المتوقع من الحبوب في المغرب لن يتجاوز 4 ملايين طن، أي أقل بنحو 27 في المائة من المتوسط المعتاد، نتيجة تأثير الجفاف الممتد ونقص التساقطات خلال الفترة الحرجة من فصل الشتاء.
كما سبق لوزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، أحمد البواري، أن أعلن في أبريل الماضي أن الإنتاج قد يشهد تحسنًا نسبيًا ليبلغ حوالي 4.4 ملايين طن بفضل أمطار مارس وأبريل، غير أن هذا الرقم يظل دون المعدل طويل الأجل، ما يؤكد أن آثار الجفاف البنيوي لا تزال تلقي بظلالها على القطاع الفلاحي.
بين التفاؤل الحذر والمعطيات الدولية، يبدو أن الموسم الفلاحي الحالي يقف عند مفترق طرق. فإما أن تستمر الظروف المناخية المواتية لتمنح المغرب متنفسًا اقتصاديًا وغذائيًا، أو أن تعود التقلبات المناخية لتؤكد هشاشة نموذج فلاحي ما يزال مرتبطًا بشكل وثيق بعامل المطر.


