لم يعد استيراد الأبقار الحية أو اللحوم المجمدة كافيًا لتوصيف عمق الاختلال الذي يعيشه القطاع الفلاحي بالمغرب.
اليوم، ومع فتح السوق أمام استيراد التبن، دخل النقاش مرحلة أكثر فجاجة ودلالة، حيث لم يعد الخلل يطال المنتوج النهائي فقط، بل وصل إلى أبسط حلقة في السلسلة الفلاحية.
هذا التحول، الذي أثار موجة غضب واسعة على مواقع التواصل، اعتبره متابعون إعلانًا غير مباشر عن إفلاس نموذج فلاحي بُني على اختيارات قصيرة النفس، غلّبت منطق الربح السريع والتصدير على حساب السيادة الغذائية والاستدامة.
التبن… حين يسقط “المبرر المناخي”
عدد من المواطنين رفضوا اختزال الأزمة في الجفاف وحده.
أحد التعاليق اعتبر أن “المغرب الأخضر أخضر فقط في الشعارات، أما على الأرض فقد استنزف الماء الجوفي، وضرب الإنتاج النباتي المتكامل مع الحيواني، ودمّر التوازن التقليدي للفلاحة”.
تعليق آخر شدد على أن التوجه نحو الزراعات التصديرية (الأفوكادو، الفواكه الحمراء…) استنزف الموارد المائية، وقضى على الزراعات العلفية، ما جعل التبن نفسه سلعة نادرة، في مفارقة صادمة لبلد فلاحي.
الفلاح الصغير… الحلقة التي تُكسر دائمًا
في أكثر من تعليق، عاد اسم الفلاح الصغير كعنوان للأزمة.
أحدهم كتب بمرارة أن الفلاح المغربي “أصبح يرى نفسه يسير نحو الضياع، يُدفع للتخلي عن أرضه لصالح برجوازية قطاعية، كما حدث سابقًا في ملف الصبار”.
تعاليق أخرى ربطت الأزمة بـ:
- تعقيد المساطر
- غياب المواكبة
- حرمان الفلاح من حفر الآبار أو السقي
- وتركه وحيدًا أمام ارتفاع كلفة الأعلاف
في المقابل، يُفتح باب الاستيراد، وتُضخ الملايير لفائدة الوسطاء والمستوردين، كما حدث – حسب تعليقات عديدة – خلال دعم الأضاحي، حيث استفاد “رأس المال المستورد” بينما لم يصل شيء للفلاح المتضرر.
الدعم… من أداة إنقاذ إلى آلية إقصاء
عدد من المواطنين تساءلوا صراحة:
لماذا لا تُوجَّه الأموال التي تُصرف على الاستيراد إلى دعم مباشر ومنصف للإنتاج المحلي؟
أحد التعاليق دعا إلى:
“قرارات حكيمة، قليلة الكلفة، ذات نفع عام، بدل حلول ترقيعية تثقل ميزانية الدولة ولا تُنقذ الفلاح ولا المواطن.”
تعليق آخر ذهب أبعد، معتبرًا أن ما يجري ليس فقط فشلًا تقنيًا، بل غياب محاسبة، وتحوّل السياسات الفلاحية إلى مسرحية متكررة تُدمَّر فيها مكتسبات الأمن الغذائي باسم التوازنات المالية.
وزارة بلا بوصلة؟
من بين أكثر التعاليق حدّة، من تساءل:
لماذا لا نرى أرقامًا وتحليلات مبنية على الوقائع بدل الاكتفاء بخطاب تبريري؟
أحد المعلقين اعتبر أن الوزارة “فقدت دورها في التوجيه والبحث والمواكبة، واكتفت بالمراقبة عن بعد والصمت”،
بينما رأى آخرون أن البلاد دخلت مرحلة فقدان السيادة التدريجي: غذائيًا، مائيًا، وطاقيًا، في غياب رؤية مندمجة تعيد الاعتبار للأرض، والماء، والإنسان.
من التبن إلى السؤال الأكبر
تعليقات كثيرة اتفقت، رغم اختلاف نبرتها، على خلاصة واحدة:
استيراد التبن ليس حلًا، بل عرضًا لمرض أعمق.
مرض اسمه:
- غياب التخطيط طويل المدى
- تهميش الفلاح الصغير
- تسليع الماء والأرض
- وتحويل الاستيراد من استثناء إلى قاعدة
كما لخّص أحد المواطنين الوضع بقوله:
“اليوم نستورد التبن، وغدًا قد نستورد البذور… وبعده القرار نفسه.”
خلاصة
القضية ليست في مشروعية الاستيراد من حيث المبدأ، بل في تحوّله إلى سياسة افتراضية تُستعمل كلما فشل الإصلاح وتعذّر التصحيح.
أزمة التبن ليست أزمة علف فقط، بل مرآة تعكس سؤالًا استراتيجيًا أكبر:
ماذا تبقّى من السيادة الغذائية حين نعجز عن إنتاج أبسط عناصرها داخليًا؟


