✍️ايمان بوحزامة
ما حدث في جلسة الامم المتحدة الاخيرة لم يكن مجرد تصويت عابر. كان اختبارا بسيطا لصدق الشعارات، واختبارا لميزان المواقف حين تصبح اللحظة فاصلة. فحين تقدمت الولايات المتحدة بمشروع قرار حول غزة، كانت كل الفصائل الفلسطينية الاساسية قد عبرت بوضوح عن رفضها لما جاء فيه، لانه لم يحمل الحد الادنى من مطالبها،لا وقف فوري للعدوان، لا ضمانات للانسحاب، ولا التزاما سياسيا يحفظ الحقوق الفلسطينية على الارض.
ومع ذلك، اختارت الجزائر ان تصوت لصالح هذا المشروع، المشروع نفسه الذي قالت المقاومة انه لا يمثلها. هنا تحديدا انكشفت المسافة بين الخطاب والممارسة، دولة قضت شهورا تتحدث باسم غزة، لكنها في اللحظة التي احتاجت فيها غزة موقفا صريحا، اختارت الاصطفاف الى جانب نص لم تقبل به الجهات الفلسطينية ذاتها.
هذه ليست سابقة. سبق للجزائر في مراحل متعددة ان قدمت مواقف مرتفعة السقف امام الاعلام، ثم انزلقت الى خيارات براجماتية حين بدأ ميزان القوى يتحرك. حدث ذلك بعد اعتراف واشنطن بمغربية الصحراء، وحدث حين عادت اغلب الدول الاوروبية الى توسيع شراكاتها مع المغرب، وحدث حين انفض الدعم الافريقي عن طروحاتها. لكن لحظة غزة كانت مختلفة، لانها تمس قضية لا تقبل المناورة. كانت فرصة لاثبات ان الخطاب الذي بعث للعالم لم يكن مجرد واجهة، وان الدفاع عن فلسطين ليس بطاقة دبلوماسية تستعمل حين نحتاجها ثم نضعها جانبا حين تتغير الظروف.
المفارقة ان الموقف الجزائري جاء بعد مغادرتها مجلس الامن مباشرة، وكانه محاولة لارسال اشارات جديدة الى واشنطن او للتماهي مع التحول الذي تشهده المنطقة. لكن المشكلة ليست في تغيير المواقف، بل في غياب الاتساق، فلا يمكن ان تقدم دولة نفسها كصوت قوي في الدفاع عن غزة، ثم تصوت ضد ما طلبته غزة نفسها.
المغرب من جانبه لم ينخرط في هذه الازدواجية. بقي ملتزما بدعم المساعدات الانسانية، واحترام خيارات الفلسطينيين، والعمل داخل المؤسسات الدولية دون تحويل فلسطين الى ورقة سياسية. وهذا بالضبط ما يفسر لماذا تنظر القوى الكبرى، بما فيها الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة، الى المغرب باعتباره شريكا موثوقا، بينما تتعامل بحذر شديد مع الجزائر التي تغير اتجاهاتها بسرعة يصعب توقعها.
القضية ليست غزة وحدها. القضية ان مصداقية الدول تقاس حين تكون الحاجة الى موقف واضح لا لبس فيه. وفي تلك اللحظة الفاصلة، وجدت المقاومة ان صوتا كان يفترض ان يكون معها، قد وقف في الجهة الاخرى من القاعة.
✍️ايمان بوحزامة


