تُعدّ الرمال مورداً استراتيجياً في قطاع البناء والأشغال العمومية، غير أن استغلاله في عدة مناطق مغربية —ومنها إقليم تازة— تحوّل إلى ملف مثير للجدل، بسبب ما يرافقه من اختلالات بيئية وتدبيرية وقانونية، تُضعف من قدرة الدولة على حماية ثرواتها الطبيعية وتطبيق القانون.
يستند هذا التحقيق إلى معطيات واقعية، إضافة إلى شهادات محلية ومعطيات ميدانية متداولة حول واقع المقالع في المنطقة.
- فوضى الاستغلال وغياب الرقابة
تشير المعطيات إلى أن عدداً من المقالع تُستغل بطرق لا تحترم دفاتر التحملات، سواء من حيث الكميات المسموح باستخراجها أو احترام حدود الملك العام والغابات والأودية.
وتفيد مصادر محلية للاعلام الاخضر بأن عمليات الاستخراج تتم أحياناً ليلاً أو بعيداً عن أعين المراقبة، في ظل ضعف الموارد البشرية المكلّفة بالتتبع، ما يفتح الباب أمام تجاوزات عديدة.
ويؤكد فاعلون جمعويون أن بعض المقالع تعمل “عملياً” خارج الضوابط، مستفيدة من الفراغ الرقابي وتداخل المصالح. - أضرار بيئية تتفاقم
تُحدث المقالع غير المنظمة مجموعة من الآثار الخطيرة، أبرزها:
أ. تآكل التربة وتدمير الغطاء النباتي
عمليات الجرف العشوائي تؤدي إلى تدمير مناطق كانت تشكل حزاماً أخضر طبيعياً في ضواحي تازة، ما يسرّع من تدهور التربة.
ب. تهديد مجاري المياه
اقتلاع الرمال من الأودية بشكل غير مضبوط يتسبب في:
-تغيير مجرى المياه.
-تعريّة ضفاف الوديان.
-ارتفاع مخاطر الفيضانات الموسمية.
-ج. تشويه المنظر الطبيعي
المقالع المهملة بعد الاستغلال تتحوّل إلى حفر عميقة تُخلّف مناظر مشوهة وخطراً على الساكنة.
- خسائر مالية للدولة والجماعات
تشير التقديرات الوطنية إلى أن الاستغلال غير المقنن للرمال يكبّد خزينة الدولة ملايين الدراهم سنوياً. وفي حالة تازة، تتوسع الفجوة بسبب:
-التصريح بكميات أقل من الحقيقية.
-التهرّب من الرسوم المفروضة
-استغلال مقالع منتهية الصلاحية أو غير مرخصة أساساً.
هذا الوضع يجعل الجماعات الترابية تخسر موارد مهمة كانت ستُوجَّه لتحسين البنيات والخدمات.
4 . مسؤوليات متداخلة وجهات مُتَّهمة بالتقصير
تكشف المعطيات أن تعدد الجهات الوصية (وزارة التجهيز، المياه والغابات، الجماعات الترابية، السلطات الإقليمية…) يجعل الملف غامضاً ويُصعّب التنسيق.
وفيما تُلقي بعض الجهات باللوم على ضعف الإمكانيات البشرية والمادية، يرى مراقبون أن الإشكال الحقيقي يكمن في غياب إرادة حقيقية لفرض القانون، وفي استفادة شبكات نافذة من “مرونة” الرقابة.
- أصوات المجتمع المدني: “كفى عبثاً بالبيئة”
عدد من الجمعيات البيئية في تازة دقّت ناقوس الخطر، وطالبت بـ:
-توقيف المقالع المخالِفة فوراً
-فتح تحقيق إداري وقضائي في تجاوزات بعض المستغلين
-نشر لائحة المقالع المرخصة وكمياتها المسموح استخراجها
-فرض إعادة تهيئة المناطق المُستغَلة كما ينص القانون
كما دعا نشطاء إلى تمكين الإعلام من الولوج للمعلومات المرتبطة بالصفقات ودفاتر التحملات، تعزيزاً للشفافية. - الحاجة إلى إصلاح عاجل وشامل
يرى خبراء أن تجاوز الفوضى القائمة يقتضي:
-رقمنة نظام تتبع المقالع وربطه بالسلطات في الوقت الحقيقي.
-استعمال ميزان إلكتروني رسمي لمنع التلاعب بالكميات.
-رفع الغرامات لتصبح رادعة فعلياً.
-تعزيز القوات المكلفة بالمراقبة.
-إشراك المجتمع المدني والإعلام في التتبع.
مقالع الرمال في تازة تمثل ثروة وطنية تُستنزف بطريقة قد تُفقد المنطقة جزءاً من توازنها البيئي والاقتصادي. وبين ضعف الرقابة، وتداخل المصالح، والتأثيرات الخطيرة على الطبيعة، يبدو أن الملف يحتاج إلى عودة قويّة للدولة وشفافية أكبر من أجل حماية ما تبقى من الموارد.


